الشيخ محمد الصادقي
320
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ رزقكم الحالي ليوم الدنيا ، ماديا بالأمطار والرياح وإشراق الشمس ، ومعنويا بما ينزل من وحي والهام ، ثم رزقكم المستقبل : وَما تُوعَدُونَ من جنة عرضها كعرض السماء والأرض ، وما فيها من رحمات ، ومن رضوان من اللّه وهو أكبر : جنة معنوية بعد المادية وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ . « 1 » فالسماء هنا لا تعني جهة العلو المادية فحسب لكي يختص رزقها بها حالا أو استقبالا ، بل والمعنوية أيضا وأحرى ، فهي - ككل - سماء خزائن اللّه عند اللّه ، التي تضم كل الكائنات : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 15 : 25 ) سواء أكان نزولا من الفضاء العالي كالأمطار والأنوار أم نزولا معنويا من سماء الربوبية دون أن تختص بجهة مكانية ، سماوية أو أرضية كالوحي والإلهام . ومما نوعد هي الجنة التي عند سدرة المنتهى ، فوق السماء السابعة ، مما يدل على أن السماء المادية تشمل السبع وما فوقها من الجنة المأوى . فكما ان الرزق منه مادي ومنه معنوي ، ثم منهما حالي واستقبالي ، كذلك السماء تشملها كلها وتشمل كل ما ينزله اللّه إلينا : من ذوات الجهات وسواها ، الماديات وسواها . لا نقول : إن السماء حيثما تذكر تشملهما ، فان الآيات في خلق السماوات تختص بالمادية ، وانما استيحاء من عموم الرزق ، وظاهر اختصاصه هنا ككل بالسماء ، نقول هنا إنها تشملهما . وترى ماذا يعني رفع اليدين بالدعاء إلى السماء وليس اللّه ساكن السماء وما كنها ؟ ذلك . . لأنها موضع الرزق ، إن ماديا فأصله نازل من السماء وإن
--> ( 1 ) . علل الشرايع باسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد اللّه ( ع ) عن جده أمير المؤمنين علي ( ع ) قال ابن سبا يا أمير المؤمنين ! أليس اللّه عز وجل في كل مكان ؟ قال : بلى - قال فلم يرفع يديه إلى السماء ؟ فقال : أو ما تقرأ « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » فمن اين تطلب الرزق الا من موضع الرزق وما وعد اللّه عز وجل السماء ( نور الثقلين 5 : 124 ) .